11‏/01‏/2015

السقوط الحر




يا صديقي إن ماحدث كان كالتالي( كان النيزك على وشك الدخول الغلاف الجوي، ولكنه في غمرة اندفاعه فكر إن الوقوف على جزء واحد من الأرض مكسب لذته لن توازي الاختراق والاحتراق، فتفرقت أجزاءه لتكون المعرفة أوسع في وقعها...وهكذا...تم له الأمر..)
تحول النيزك لشهب، وكان السقوط الأول :أول ضربة كانت في حقل القمح، وصاحب الحقل يسمى فلاح من الفلاح والفلح، يؤمن إن عطايا السماء هبات،وإن السماء لا تتذكر مكان إلا لخير مهما كانت آثار هذه الذكرى، وجاء الوقت ليبرهن على إيمانه...
احترقت مساحة من الحقل وكان بهذا الجزء محصول لم يتم حصاده بعد، نهيك عن أن مكان هبوط الشهاب كان عميقا..جدا كبحيرة جافة، فأصبح الوقع يبدو كمصيبة حطت على رأس الفلاح، إنما اندهش الشهاب قبل الوهج الأخير وهو يسمعه يقول (لا حول ولا قوة إلا بالله) أحمد الله...لقد كنت في هذه البقعة وذهبت لأحضار (قلة)*  كي أشرب لولا لطائف الله لكنت في خبر كان وبدلا من شرب الماء لكنت رحت في شربة ماء..!

السقوط الثاني: كان الشهاب يلهب الهواء بإندفاعه، إلى أن وجد نفسه يهبط وسط تجمع غريب يقال عنه مدرسة إبتدائية، يكاد الجمع ألا يلحظه...لولا أن هنالك ما تشبه القائدة (المفارقة التي أثارت انتباه الشهاب إن المَدرسة كمكان، والمعلمة كمكانة كانا يمثلان مجرة بتلاميذهم التي ترمز لنجوم مشعة جميلة) صرخت المعلمة فتفرقوا عن الساحة ليسقط الشهاب في ساحة المدرسة بالقرب من سارية العلم، لولا تلك الطفلة الشاردة ...لكان مرّ الأمر بسلام، سيرها وعدم انصاتها لتنبيه المعلمة جعل الثانية تصرخ مع حركة سريعة تشبه الومضة كانت الصارخة تخطف الصغيرة وتلقها بعيدا...، فكر الشهاب قبل وهجه الأخير "إذا عند هؤلاء التفاني لإنقاذ بعضهم البعض، وفيهم خصال لابد أن تصنف بالنبل..." لولا أن شتته أنين القائدة...لقد أصابتها بعض شظاياه، والأطفال حولها بعضهم ذاهل والأكثر يبكي...يالها من مشاعر يتقاسمها الأرضيون..ثم مات آخر لهب في توهجه..وهو غارق في أفكاره!

السقوط الثالث : كان المنزل متعدد الطوابق هادئا، كأن لا حياة فيه، إلا أن لو دخلنا في الطابق الثاني لوجدنا أحدهم نائما وبجانبه رسالة مهام(أحضر حسام من المدرسة, ادفع فاتورة الكهرباء، اذهب للبقال والجزار، مر على جدتك لأنك وحشتها، سأتأخر في العمل)...
الطابق الأول خال تماما، أما الطابق الأخير فكانت احدهن تجلس بجانب النافذة بين كفيها كوب قهوة، تراقب السماء الغائمة في ترقب الحائر، السماء المكشوفة أمامها ، أو كمن ينتظر رسالة... في طرف الغرفة منضدة عليها حاسوب ينساب منه صوت فيروز...هنالك وتيرة من الأفعال توحي بجو كئيب والرتابة لولا ما رأته يأت من خلال الأفق...
أسرعت بإحضار الكاميرا لتلتقط صورة للشهاب المضيء في وضح النهار، لترفعه على موقعها فيما بعد...إلا أنها شعرت بالخطر بسبب وضوح التوهج أنه ككتلة من نار تقترب في اتجاه منزلها...
ألتقطت بعض الصور...وبدأت بالنقر بأصابعها على زجاج النافذة...لتجد الزجاج يتذبذب مع أن الشهاب مازال في الجو على مسافة ليست بقريبة...!
بعد لحظات تفكير...أخذت المفاتيح والحاسوب والكاميرا وخرجت ؛ في طريقها للأسفل تباطئت عند الدور الثاني...مترددة..ولكنها حسمت الموقف بالضغط على جرس الباب.
إلى أن فتح الباب ودون مقدمات أخذته من يديه وهو مستغرب_ألم يتفقا على انفصال نهائي ولم يشفع له طول محايلة ولا كلمة مما قال ولا فعل مما فعل_
بادر بالكلام وهي تجرجره على السلم ماذا هناك؟ أجابت سأخبرك بالأسفل...لا يوجد وقت اسرع! بعد لحظة من عبورهما الشارع وفي اتجاه السيارة وقع الشهاب على سطح المنزل المجاور لمنزلهما...ودوى صوت مرتفع وغبار في كل مكان إنما لم يبق من المنزل شيئا، وقفا بجانب سيارتها مندهشين، يحتوي كتفيها بذراعه...وسمعا كما سمع الشهاب حديث أحدهم الساخر (لقد وقع على المنزل الذي أخلته البلدية لتنكيسه, ممكن يكون الشهاب من بتوع البلدية)!!!!

السقوط الأخير: وقع في طرف البلدة، مكان خال تماما، رمال لا زرع ولا حيوان وبالطبع لا إنسان، لم يفكر في شيء الشهاب أثناء غوصه في الأرض صاقلا إياها باشتعاله...إن احتراقه لم يكسبه معرفة ما عن هذا الكوكب...ولن يترك بصمة مثل البقية، ولم يدرك كيف كان خاطىء في تفكيره، فالمطر الذي انهمر وتجمع في مكان سقوطه عبر فصل الشتاء...مهد لحياة أرضية جديدة متطرفة..مبنية على اسس حضوره وممتددة بقدر عمقه.



.
.
.
.



#حمى_التشظي
#حنين_خطاب