16‏/06‏/2014

فكر أزرق.

هنالك من حيث اللا عودة.....









من هلّلَ لولادة
اللون الأزرق؟
لماذا تحزن الأرض
حينما يظهر البنفسج؟
 نيرودا**


مرحباً بكِ أيتها الغريبة..!
مرحبا بكِ يا أنا ، كي لا أتحول إلى قطعة ثلج على شفاه ظمأى، لا شك في حتمية ذوبانها رددت التحية بأحسن منها..!
 فمرحبا بي غريبة دائما و أبدا.
لم تأخذني ألفة قط؛ إلا تحولتْ لحوت فتبتلعني عن آخري، كحوت يونس، فتعتصرني بحدود عتمتها مدا. و تحاصر أنفاسي الظنون حزنا، ثم تمجني تحت ظلال شقائي وحيدة و سقيمة أجتر ندمي وأقسم كآدم آلا أعود لذنبي أبدا..لكن بعد أن أكون كتبت عنوان شقائي بنفسي..حيث لا عودة إلى حيث كنت، لا عودة إلى ما كنته، إلى ما تعودته، إلى ما آلفته، فتهاجمني الغربة حيثما يممت روحي؛ وانبثقت أينما اتكىء حرفي!
ألسنا جميعا كذلك، دائما في اغتراب، من أول ذواتنا إلى مالا نهاية مع من حولنا، لا أحد قريب كفاية، لا أحد باق ، فنتعاقب و نطعن بعضنا بعضا بخناجر غربة في عمق ألفتنا، كأن يصبح الأبناء فجأة غرباء عن الأباء..والأباء يصرخون في وجوههم  يتساؤلون من هؤلاء المستنسخون القساة...أليس هذا نتاج انقطاع مشيمة الألفة، الغربة خناجر و سموم و حدود باردة . فجدر الغربة تشيد يوما بعد يوم، على مدار اللحظة بيننا وبين كل مألوف، ليمسى كل في عذابه..،ثم نصبح ندع أن كل شيء على ما يرام، أليس هذا ما يفعله الاحباء في بعضهم البعض، مرة باسم الظروف، ومرة باسم النضوج، إذ بعد الود كل في واد، تتلاق الملامح، دونما أرواح مأخوذة إلى ماوراء الحجب، كأنما منعت من الهمس و التلاق ، فبات كل في عذابه يسير إلى فراق قبل الفراق، أليس هذا لب الاغتراب..أليس هذا ما جعل المستحيلات عنقاء وخل وفي ،و وطن كما ينبغي؟!
لقد جابهت هذا منذ فترة..وواجهت عفريتي بعفريت مثله، فألقيت كل وحشة باغتراب، وكل اغتراب بتعويذة بليدة، لقد داويت كل برودة ببرودة أكثر منها، وكل لؤم تعلوه طبقة "ركيكة" من الشفقة بلامبالاة قاسية، كان الأمر يسيرا على الأيام، لقد توالت كما كانت تتوالى غالبا، لقد وجدت ترك زمام العلاقات في انحدار إلى أن تنعدم ليس أمرا مميتا، فأنا على ما يبدو مازلت أحيا..إن التمسك بكل شيء ينزلق من بين يدي هو ما يدمي روحي لا أناملي المتعبة، فمرحى.. إن الأمور التي كنت أحسبها سيئة، تركتها على سجيتها..لم تكن بحاجة لـ (مسحوق زهرة) فهي سوداء بطبيعتها ،ثم أن مسحوق الزهرة أزرق و هذه الحقبة زرقاء و تلك الخرابيش زرقاء و أنا كما كنت ما زلت لا أحب الأزرق، وليكن كل شيء أزرق، لا مفر من بعض تقبل للنهايات الحتمية!!!!
-:الآن ماذا تفضلين..؟ لا شيء محدد..
-:هكذا أفضل..ومماذا تنفرين؟! لا شيء البتة...نعم هكذا أنت أقوى..
-:مرحبا بكِ أيتها الغريبة...مرحبا بي بين حدود نفسي..مرحبا بكِ يا أنا..!
فمرحبا بكِ؛ آن لكِ أن تحيطي علما بحدود غربتك المترامية،لا مزيد من هروب..بعد انسحابك الجزع  للداخل ،تتخبطين مرتدة،  وأنت الفاشلة في كل علاقة ارتدادية، فيا  موجة ضاعت بين مد و جزر، تقوقعت على نفسها في قاع بحر، أرجو ألا تألفي قاع بحرك..قبل أن يلق بكِ على أحد شواطئك المهجورة مجددا..!!

انسلخت عن المقربين المبعدين، وعن أولئك المبعدين المقربين_نعم_و استسلمت لطقس مزاجي السيء، الذي لم يفرق عن مزاج مراهق مضطرب_نعم_، وتركت المجال لأدخنة الوحشة تتبختر في كل هكتر من قلبي...لا ألو على أحد، فآخر حوت ألفة لفظني لم أجد يقطينة واحدة أتداوي بها..لم أجد غير ظلالي الكئيبة..والعيون الشامتة وكل خاطر لئيم انبثق عني متشفيا" كم قلت لك أن هذه الحياة ليس بها من أحد، لكل معياره، ومعيارك جار عليه الزمن..!".
 الجيد في الأمر أنني لم أعد أفرق بين شخص عزيز وبين شيء خاص، جميعها صنفت في خانة مفقودات، لا قلم ولا كوب ولا دفتر،لا حبيب لا عدو لا أحد مفضل، كل قريب مقرب مصدر عذاب وشيك على الانفجار، ثم يصفعني سؤال، كيف تتحول الأعداء لمصدر محسوب المأمن، فأجيب في تخاذل :ألم أقل من قبل ما أجمل أن نبقى غرباء..؟! الآن ضيفي خانة الأعداء على هذا..!!!!
الآن؛ الآن أعترف أنني أستحق عذابي، لأن أول دروس الوعي درس حفر بداخلي "أن لا تتعلقي"، مذ حداثة الفكر، وبراءة التوقع، وسذاجة الظن، مذ أول الحياة قد أدركت هذا، إلا أن يحلو لغريزة التعلق داخلي أن تنسى..فيحق للعذاب أن يهطل بكل عدل السماء على رأسي،  دون أن أبرر كيف لا يتعلق ظفر بأصبع، طالما كانت القاعدة أن لا تتعلقي.
ليس جرمهم أنك تأخذينهم على محمل القلب، هذا حملك وحدك..فألق بحملك كله، وكل لافتة شعور أحنت ظهرك مثل عجوز، ثم ما الجرم في أن لا تبتسمي، وأن لا تستمعي ، وأن لا تكوني لهم كما كنت ، لا فرق...ما الجرم في أن لا تأبهي على الرغم من قلبك، و أن تكسري عنق أناقة كل تصرف تحت قدمك. فعلى سبيل التغيير، آن لكِ أن تحطمي كل قيد اجتماعي كبلت به يدك و قدمك، وحتى شفاهك..بين مفروض ومفترض، وأن يتخط الأمر هذه المرة حدود فكرة حبيسة السطر!!!!

ثم لماذا أقف أو لماذا أبقى...أو لماذا حتى أرحل..طالما رحلت أو بقيت كنت أنا تلك المعجونة بهم...بعد طول فكر، لا يبقى لدينا متسع منا دونهم، هذه حقيقة مريرة و جليلة في ذات الوقت، إن الواقفة أمامي في المرآة تطور _أو تدهور_نتاج الزمن(لا يهم)...لكن لن يفيد إنكاري أنه لست أنا، وإن أقسمت على كتب المؤمنين جميعا أنني نتاج كل من مرّ علي..وأن أول حق الانسلاخ الطبيعي، الرجوع  لذاتي السابقة...قبلهم جميعا...
إن بديهيات أول التخلي أن يكون لي وطن يجوز ترحيلي إليه وقتما تضيق جميع الحدود بي، ثم لماذا لم أولد بذاكرة احتياطية، ثمة خيال يتأرجح أمامي، رأسي تفرغ مما فيه، حدث حدث، موقف موقف، شخص شخص، فرح يليه جرح، ثم أعود خاوية مثل طفل. لحظة؛.. أليس معنى هذا أن تعاد الكرة..؟!لا...لا أريد ذلك...!!!!
  ليس بمقدور أحد أن يفهمني، أو يدركني.. حتى تلك التي تناظرني في المرآة،فنحن في تعارف مستمر،و قد يصل الأمر مع الآخرين إلى رجمي بالجنون -ألست كذلك فعلا؟!-.
سأحاول تلمس طريقي لنفسي وحدي، دون أن أشرد، أو أغرق في التيه، وإن كنت مثلي حاول ألا تنسى...تتبع ضحكتك..عفويتك...أغفل كل ندبة غائرة بعمق روحك...أو مت بغيظك فأنت هم حتى إن كنت بدونهم ..تبا لهم..تبا لك..وتبا لي الآن. وتبا للصداع الذي أوصلني لنوبة هذيان تشبه لوحة رسمت بالقطران كل مخارجها مداخل..وأنا التي كنت على وشك أن اتباه بوصولي لمداخلي الآمنة المألوفة في مواطن الغربة!!!!
لا أمل على ما يبدو للوصول..لأني لا أذكر حيثما أتفق أين كنت أنا..وعلى سبيل الصدق المجرد لا أحب..بل أكره أن أتذكر ..لذلك سأكتفي بذبح الألفة من الوريد للوريد..وسأترك الغربة في المزهريات ، على حواف الأبواب و النوافذ، أو لعلي أكتفي بتركها تتأرجح على مشاعل روحي.
و كل صباح سأبتسم لنفسي في المرآة قائلة-: مرحبا بكِ أيتها الغريبة..
-: مرحبا بكِ يا أنا..!!!!





مخرج
"ميت هو ذاك الذي لا يقلب الطاولة ولا يسمح لنفسه

 ولو لمرة واحدة في حياته بالهرب من النصائح المنطقية 

نيرودا**

*

.
.
.
.

حنين خطاب

من رؤى الضباب