03‏/01‏/2014

أيقونة الظلال





  أطفأت رياح البوح عيون الكلمات، بعد أن نزعت سياجها.عبثا ألملم نفسي، عبثا أمني نفسي بأن هنالك فسحة بعيدة عني ستنطلق فيها.إلا أنها أمنية أخفقتُ في اجتذابها، ففي أوج هياجنها دعست القلب، هدمت آخر صرح في صبري، بئسا لها؛ انطلقت ف  فتقت جراح الليل عن نجوم الفقد، تركض في براح ضوئها الظلال. "تهشمت جدران الأناقة واستحالت لغبار"، هكذا همس الحزن لقلبي متشفيا، حزني ذاك الذي كان كهل منحني الرأس في استكانة وإذعان، كما تمثال علاه الغبار؛ الآن يشمت في الحطام..!!
استحال مارد غضب تطوف حوله طيور سود تزعق باغترار، يسألني أين السطر و أين الحرف في مسار الكلمات؟! فأجيبه -: بل قل أين الأمس من الغد في مسار العمر؟ ويد الخوف تطول حتى آخر شهقة منه.
ليس هينا أن أغض الطرف عن جراح الليل، وخرمشات حزني في وجهه تدميه، قبل أن تدميني. ليس هينا أبدا الادّعاء وسط الخراب أن لا بأس، وأن يد الأمل على يد الزمن كفيلة بتعويض الخسائر، وأن الزمن سيداوي جراحي و الليل، وأنه سيلملم ثنايا الفقد في مزهرية تليق به. فعبر كل السنين الماضية انتظرته أن يفعل ولكنه لم يفعل حقا. كأنه يراهن على نسياني و ليس تطبيبي...!
أقول لنفسي: قليلا ويعود حزنك لموضعه ووضعه كما السابق، أأشرع النافذة للموسيقى في انتظار حزني أن يتقزم كما كان؟! لعلها تتسلق كاهله، وتهمس له بسر الأقحوان، أو ربما تطعمه من قلبي كما كانت وكان. لكنه حزني الذي كفر بقوتي، و ضرب ظهر الكلمات بسوط ملتهب لمزيد من صخب المواجع، فاسقطني من على ظهرها و امتطاها راكضا بها بين أدغال الخيبات القاتلة، محدثا جراح تنزف همسا تكتل بين حنايا الروح...،حزني الذي طالما روضته، الآن ...الآن يسقط كل الحدود وينهش كبد صبري على مرأى مني..! ليعلمني من السيد ومن الذي أولى به أن يطاع. الآن يتمرد ويخلع عباءة انصياعه ويلقيها في وجه كتماني. ممزقا بتبجحه رداء ابتسامتي الذي كان يسترني بفضاه ،وكنتُ أجده ملاذا آمنا من العيون المتسائلة، الآن تمزق الرداء، ماذا أرتدي.... وقتما أخرج من بياتي الأكتئابي.؟! ربما قميص الأبجدية يكفي؛ لولا عناء البوح كجواب..!!!!
فيا أيها الزمن الآتي من خلف حطام الأبجدية؛ لك الوقت كله لتحيل الركام بناءً على أشلائي، ويا ضوء النجوم -الذي يحيل ظلي المصلوب لدقاق صفصاف تتلاعب به الريح-: توهجك شرك البقاء؛ وبقائي شرك للفناء. يا ليلي المثخن بجراحه: لا تفقد نفسك ولو في هزعك الأخير.
 أما أنت يا قلبي  المدعوس على أرض الصمت: شتان يا قلب بين ما نحن فيه من حزن وبين يأس أعمى، فأنا مازلت أميز الطيب والخبيث من الحياة، ومازلت أرى على قيد نبضة مني حبل من ياسمين يتدلى من نافذة السماء المشرعة في انتظاري. مازلت أشعر بمسافة من الوجع تفصل بيني وبين جسر صفائي والخلاص، مازلت لا أرتجف من العتمة و إن كانت تقلقني شطحات النور؛ ربما لأنه يزيد من الحجب في مواجهة العتمة، ربما لأنه يشعرني ببراح مزيف كوعي الذي كلما لمس إدراك بأطراف شعوره تقافز كطفل منتشي بهدف في مبارة خاسرة. متناسيا حجمه و حتمية الناتج..!
فيا كل رأس عام مقطوعة وموضوعة على رف حياتي ، تستفز بتحديقها سخريتي: كم من مآسي أختزنتِ؟ ونحن كالبلهاء نحتفل بمواقيت المواجع القادمة، كالبلهاء نهنأ بعضنا ونمني أنفسنا بعام خال من الخيبات..وكل عام لم يسلم لنا حبيب إلا وحوله إلى أيقونة  تعلق في جيد الذكرى.

فيا أيها البعيد: من أين لنا تلك الأمنيات الساذجة؟ فكل عام مضى أفجعنا أكثر مما قبله على مرأى من ياسمين (موشي بالصبر على حافة حلم يقطر آريجه)  يحصي الخديعة..الغدر...والمفقودين من ساحة بقاءه، موحيا لي بأن الزمان مهما طال قصير، فانعمي باعتصارك ... كأنك لم تنعمي من قبل؛ أو لا تبالي...!!!!




.
.
.
.
حنين

ــــــــــــــــــــــــــــــ
لوحة " ناصر الضبيحي"        
نشرت الخاطرة برفقة اللوحة في العدد تسعة و سبعون من مجلة نون على الرابط التالي