09‏/11‏/2013

تشظَّي العَتَمة









لا تقل لي كم هو القمر مضيء،
 بل أرني وميضًا من الضوء على زجاج محطم.
                                أنطون تشيخوف



"تشظَّي العَتَمة"


إنّ كانَ لضوءِ القمرَ نافذةُ واحدةِ ليسكب مِنها مخزون حَنِينه لأرضِ بَاعَدت الفَجْوَات بينهما، فإن لضوءِه مَلايين الشَّظايا لانعكاساته التي تُناجي باسمها اقترابه، فكلْ شَّظية رُوح تَعكس صَورته، تَحْتَل العتَمة باسمهِ، فتكون جدليةِ اِنْعِكَاسات ، طَالما العُيون في تَلاقِ، وتوقِ لذلك..!!!!
على ربوةِ صمتي ، أَسْكبُ الكَثير مما في قِرْبَتِي، ولا أحسبُ للظمإِ حساب،  أناملُ الفكرُ تحثُ الإِنبات أن يَزهر يَاسميناً، ثم يَاسمين إلى اللا نِهاية من الزَّهْر...لا شَيء غَيْر اليَاسَمين من أَعْلَى الرَّبْوة حَتى مُنْخَفض وَجَعي، وأتْبَع هَمسهُ المَسْحُور، بترديدِ تَرانيمه المَأثورة، وأنْثر من تِبْر القَمر قَصيدة عَزيزة على القلبِ، دُون عِنوان، فيكتفي الخَاطر من عَناء النبش عن عناوين مًنْهكِة، فهي بحد ذَاتها عًنْوان سَيتبعها القمر بقطرةِ ضوءِ من وتينِ قلبهِ، فتَحيل المًستحيل لمًمكن. وقد تكون عًنواناً لكبرياءِ لا يعترفُ بصبرِ الانتظار، ولا كَنه الاِحْتضار، وكًفر من قبل بأعرافِ الوصايا. ثم تَهمسً في ختمتِها :


كًتبَ على جبينِ الياسمينَ أن يبوح بعطرهِ
 في كنفِ الصَمت والعَتم والبًرودة،
لا يَستنزفَه قيظً ولا تَقدر عليه يَد الضياء الوَئيدة.
 فيه انطوى دربي المعبد بالعطرِ، موار ظلا شريدا.


رُبـَّما تَكون القَصِيدة قد تَفجرت عندما انْسَلَخَ القَمِر عن الأرضِ ،إذ تَرَك لها عَرائش الياسمين، كمَخْطوطَة للذّكرى، ومِظَلَّة من نيرانِ الشَوق، وأخَذ شَفْرة ضِيَاءه، فكان اللَّيْل شَاهد علىَ ذَلك. لا تَهم الآن التفاصيل، فليستمر شلال القَمر في الانسكابِ، ليتغير كل ما لا يَتغير إلا في حضرتِه، كدموعِ الأمسِ إذ تخلصت من تيبسه بانفجارِ ثم تشظي، كالألمِ الحماسيِ إذ تغلغل بجبروتهِ بانسكابة شلالية،فتشربَ به الجسد إلى حدِ التماهي، بل كسناجبِ اللغةِ التي لا تنطلق مزهوة إلا له (الضَمير عائدُ على ألفِ قَمر و اشْبَاهه) ، تتحررُ من يدي فتُشكل له القَصيدة... من أولِ إطلالته إلى أن يتبدل السَّحر...

ف بَيْنَ مَرَايا الرًّوح،
 ثَمَّة رَبْوَة، يَكسُوها ياسَمين
كتِبرِ فِضَّة
يَبرق بالوهجِ ، في بؤبؤيِ البَدْر
في ليلٍ مَبتور لا صَبَاح له
على مَدى الحَنِين..!
ثَمـَّة صَمْت يَأخًذ من رُوحي
دَلواً
ويَسقَطهً في بئرِ قَلبي
يَروي كَرَوان لم يَضل ولن يًضل.
في تِيه العَطش.
لبُرْهَة؛ آلامَني صَمتهِ كصدحهِ
لبُرهَة؛ شَتَّتَني الظِّل..
إلى أن ابتَلَعَهُ الفَجّ
ثمَّ نَادى القَمرصَمت البَجّع
فإذا بالصدحِ تَرتيلة تُلبي نـِداء بنداءِ.
وعناقُ الهمسُ، ليس مُناجاةَ مقفيةَ..
إن أفلتَ من بَحر..يُغرقهُ هَذَيان حَرف
دَائخ...مُشرد
ما بَيْنَ خُشُوع بَنَفْسج، و أحْزَان لا تَنام
حَذِر فخاخ الفِكْر..!
الجميع يَبحث عن اسطورةِ فَجر..!
فثَـمَّة لَيْل له قَمر...ولا صَبَاح له.
و ثـَمَّة قَصِيدة تَقوْقعت في عنوانٍ..
يتيمٍ،مَبتور الدَّهشَة
ففيهِ مُقَدِمَة النِّهايَة ...
وله تشظَّت العَتَمة..!!!!


.
.
ـــــــــــــ

اللوحة المرفقة. لروب جونسالفيس
تم نشر الخاطرة في العدد 75 بمجلة نونعلى الرابط التالي
http://www.nasheron.com/documents/9/272/075
_______
 

.
.
.
.


حنين خطاب